محمود توفيق محمد سعد

193

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

بالتدريج غير عجل ولا مقصّر ، فكرّر سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة ، والإحياء أخرى ، تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله عزّ وجلّ : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( البقرة : من الآية 4 ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ( البقرة : من الآية 28 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( البقرة : 56 ) كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ( البقرة : من الآية 73 ) فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ( البقرة : من الآية 243 ) وما كان من أمثاله ونظائره واشكاله في تلك الأساليب المرادة غالبا بالذّات لغيره ، فاستأنست أنفس المنكرين له به ، فصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه السّلام والتحية والإكرام ، فكان كأنّه قيل : يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلّدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب ، اسمعوا قصة أبيكم " إبراهيم " صلّى اللّه عليه وسلّم التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق ، وإعادة الروح بإخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه ، فشهادته شهادة اللّه ؛ لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين . . . " « 1 » فأنت تراه ساعيا إلى تبيان تصاعد المعنى القرآنيّ وهيمنة المقصود الأعظم على تلك المعاني المتصاعدة يقينا منه بأنّ المعنى القرآني في سياق السورة إنّما هو خاضع لسلطان معنى كلّي ، وأنّ المعاني الجزئية المشكّلة لمعاني المعاقد التي منها قوام السورة القرآنية إنّما هي معان متصاعدة تؤسّس من وجه ما لم يكن له ذكر سابق ، وتؤكّد من آخر ما سبق تأسيسه ، وفي كلّ تأكيد تأسيس لما يقوم عليه البيان القرآنيّ من منهاج تصريف المعاني . هذان الأمران : تصاعد المعاني وتناسلها من جهة وتصريف البيان عنها من جهة أخرى من الخصائص الجليلة للسّنّة البيانيّة في القرآن الكريم أنت لا تجدها في غيره على نحو ولو شديد المفارقة لها . وهذا فيما أزعم معلم من معالم خصائص الإعجاز البياني للقرآن الكريم . والبقاعي إذا ما تجلت لك عنايته بتبيان وجه انتظام المعاني في سورة البقرة وتصاعدها وخضوعها لسلطان معنى كلّي هو مقصودها الأعظم

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 4 / 60 - 61